سلط معهد كوينسي للحكم الرشيد الضوء على الوساطة التي تقوم بها مصر في محاولة لإنهاء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، قائلاً: إنها ترغب في استعراض قوتها الدبلوماسية، قي الوقت الذي تحاول فيها النجاة من أزمة اقتصادية متفاقمة، نظرًا لأنها تستمد معظم طاقتها من إسرائيل وقطر.
وأضاف: "بفضل سياستها طويلة الأمد المتمثلة في عدم استضافة منشآت عسكرية أجنبية على أراضيها، نجت مصر من ضربات الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية التي تعرض لها جيرانها في الخليج العربي ردًا على الحملة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية التي شُنّت على إيران في 28 فبراير".
أضرار اقتصادية
مع ذلك، أشار إلى أنه وبعد مرور أربعة أسابيع على الحرب، تتكبد مصر أضرارًا اقتصادية تتجاوز في بعض النواحي الأضرار الهيكلية التي أحدثتها الطائرات والصواريخ الإيرانية.
الأمر الذي عزاه إلى أن "اقتصاد مصر قائم في جوهره على تحصيل الإيجارات، فهي تفرض رسوم عبور على السفن التي تستخدم قناة السويس، وتستثمر في سياحتها وآثارها، وتحصل على تحويلات مالية كبيرة من العمال المصريين بالخليج العربي".
علاوة على ذلك، أوضح أن مصر تجذب استثمارات عالية المخاطر من مستثمرين يبحثون عن بعض أعلى معدلات الفائدة المعدلة حسب التضخم في العالم. وقد زعزعت عملية "الغضب الملحمي" أركان هذا الاقتصاد الأربعة جميعها في آن واحد.
وتطرق إلى الأزمة الناجمة عن نقص إمدادات الغاز، واصفًا أمن الطاقة في مصر بأنه يعد مصدر قلق بالغ آخر، "فالغاز الطبيعي هو الوقود الأساسي لشبكة الكهرباء المصرية، وقبل اندلاع الحرب في 28 فبراير، كان لمصر مصدران رئيسان لاستيراد الغاز. الأول هو إسرائيل، التي كانت تُزوّد مصر بنحو مليار قدم مكعب يوميًا عبر خط أنابيب في البحر الأبيض المتوسط. وقبل أشهر قليلة من الحرب، وقّعت مصر وإسرائيل عقدًا بقيمة 35 مليار دولار، من المقرر أن يستمر حتى عام 2040".
لكنه ذكر أنه "عندما شنت إسرائيل ضرباتها، قللت بشكل حاد من التدفق؛ فمصر تتلقى الآن حوالي 50 مليون قدم مكعب فقط في اليوم، أي بانخفاض قدره 95%".
أما المصدر الثاني فكان قطر، حيث تعرض أكبر مجمع للغاز الطبيعي المسال في العالم لهجوم صاروخي إيراني وتم إغلاقه منذ 2 مارس.
وألحقت الضربات الصاروخية اللاحقة أضرارًا بالغة باثنين من وحدات التسييل الـ 14 في المنشأة، مما أدى إلى توقف 17% من طاقة إنتاج قطر و3% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية.
وكانت مصر قد تعاقدت مع قطر للغاز الطبيعي المسال قبل الحرب بسبب انخفاض الإنتاج المحلي وتنويع مصادر إمدادها وسط الاضطرابات السياسية مع إسرائيل؛ إذ اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مصر بانتهاك اتفاقيات كامب ديفيد من خلال تعزيز وجودها العسكري قرب الحدود مع إسرائيل. والآن، أصبح كلا الموردين الرئيسين لمصر عاجزين أو غير راغبين في التوريد.
فاتورة استيراد الغاز في مصر
ونتيجةً لذلك، تضاعفت فاتورة استيراد الغاز في مصر أكثر من مرتين منذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وفقًا لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي. وردًا على ذلك، اتخذت الحكومة إجراءات صارمة؛ إذ رفعت أسعار الوقود بنسبة 17% وأمرت جميع المحلات التجارية والمراكز التجارية والمطاعم بالإغلاق بحلول الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة من العاشرة مساءً لترشيد استهلاك الكهرباء. وقد أثار القرار غضب قطاع الأعمال.
وكان رد مصر على الأزمة الاقتصادية التي تواجهها هو تعزيز دورها كوسيط، كما تصوّره (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي. ففي الأسبوع الماضي، قام بجولة خليجية، زار خلالها الإمارات العربية المتحدة وقطر في يوم واحد، ثم السعودية والبحرين في اليوم التالي. وخلال الجولة، أكد تضامنه مع دول الخليج وأدان الهجمات الإيرانية.
وقدّم وزير الخارجية بدر عبدالعاطي دعمًا معنويًا للحلفاء العرب، مقترحًا تشكيل قوة أمنية مشتركة، مُحييًا بذلك اقتراح القاهرة الذي يعود لعقد من الزمن على غرار حلف شمال الأطلسي.
قنوات التواصل مع طهران
وفي الوقت نفسه، لا زالت قنوات التواصل مع طهران نشطة، إذ أجرى عبدالعاطي اتصالاً هاتفياً مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الأسبوع الماضي. ووفقًا لوزارة الخارجية الإيرانية، فإن مصر تبذل جهودًا "تهدف إلى تخفيف حدة التوترات في المنطقة".
وبحسب التقرير، فقد أثمرت جهود مصر بالفعل. إذ نقل عن صحيفة "وول ستريت جورنال"، أن اجتماعًا عقده وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان في الرياض عقب اغتيال إسرائيل لرئيس جهاز الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، اعتمد خلاله الدبلوماسيون المجتمعون على المخابرات المصرية لفتح قناة اتصال مع الحرس الثوري الإيراني.
وعبر هذه القناة، طرح مسؤولون مصريون اقتراحًا بوقف القتال لمدة خمسة أيام لبناء الثقة اللازمة لإجراء محادثات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويبدو أن هذه الخطوة قد أقنعت الرئيس دونالد ترامب بالموافقة على وقف مؤقت لمدة خمسة أيام (تم تمديده لاحقًا لعشرة أيام أخرى) للضربات المخطط لها ضد محطات الطاقة والبنية التحتية للطاقة في إيران، وأشارت إلى أن هذا يمهد الطريق لما يدعي ترامب أنه مفاوضات جارية مع إيران، وهو ما ينفيه المسؤولون الإيرانيون.
وفقًا لمعهد كوينسي للحكم الرشيد، فإنه على الرغم من أن جولة السيسي في الخليج لاقت ترحيبًا حارًا من حكام الخليج، إلا أن المنطق الكامن وراء سياسة القاهرة - وهو تقديم الذات كوسيط لا غنى عنه، ما يضمن استمرار الدعم المالي - قد يصبح من الصعب الحفاظ عليه.
وعزا ذلك إلى أن الوساطة تتطلب أطرافًا مستعدة للحوار، لكن توجه بعض دول الخليج - وتحديدًا البحرين والسعودية والإمارات - يتجه نحو الابتعاد عن الحوار مع إيران والتوجه نحو المواجهة.
https://responsiblestatecraft.org/egypt-iran-mediator/

